كتبت _ آلاء ممدوح:
شارك وفد من مجلس الشباب المصري في فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي عُقد تحت رعاية فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، ونظمته دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، بمشاركة نخبة من العلماء والمفتين والخبراء والباحثين والمتخصصين من مختلف دول العالم.
وضم وفد المجلس الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، والدكتور كريم حسين، مستشار رئيس المجلس للعلاقات الدولية، والدكتورة سوزان شوقي، عضو هيئة مكتب البرنامج الوطني لتعزيز مفاهيم الصحة النفسية بالمجلس.
وشارك الدكتور محمد ممدوح متحدثًا رئيسيًا في جلسة «الإعلام الرقمي والأسرة: استراتيجيات نشر الوعي الأسري ومواجهة المحتوى الهدام»، التي ناقشت التحولات التي أحدثتها البيئة الرقمية في بنية الأسرة ومصادر تشكيل وعي الأطفال والشباب، وتأثير المنصات والخوارزميات في الأفكار والاتجاهات والسلوكيات، إلى جانب استراتيجيات التواصل مع الأجيال الجديدة وحماية الأطفال والمراهقين من المحتوى الضار. مركز سلام لدراسات التطرف.pdf
وأكد ممدوح، خلال كلمته، أن التحدي الذي تواجهه الأسرة في العصر الرقمي تجاوز مسألة مراقبة نوعية المحتوى الذي يتعرض له الأبناء، وأصبح مرتبطًا بسؤال أكثر عمقًا حول من يمتلك اليوم القدرة على تشكيل وعي الأجيال الجديدة وقيمها واختياراتها، في ظل تحول المنصات الرقمية من مجرد وسيلة لنقل المعلومات إلى طرف مؤثر في عملية التنشئة إلى جانب الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والمجتمعية.
وقال: «السؤال لم يعد فقط: ماذا يشاهد أبناؤنا؟ وإنما: من يُشكّل وعي أبنائنا؟ فلأول مرة أصبح هناك طرف داخل المنزل يعرف أحيانًا عن اهتماماتهم أكثر مما نعرف نحن؛ يعرف ماذا يشاهدون وما الذي يجذب انتباههم وما الذي يدفعهم إلى الاستمرار أمام الشاشة.. هذا الطرف هو الخوارزمية.»
وأوضح أن التعامل مع هذه التحولات يحتاج إلى مقاربة تجمع بين المنظور الحقوقي وخبرة العمل المباشر مع الشباب، باعتبار أن الطفل في البيئة الرقمية ليس فقط شخصًا يحتاج إلى الحماية، وإنما صاحب حقوق في المعرفة والتعلم والمشاركة والتعبير والخصوصية، بالتوازي مع حقه في الحماية من الاستغلال والتضليل والعنف والمحتوى الضار.
وشدد على أن التحدي ليس في المفاضلة بين الحرية والحماية، وإنما في بناء بيئة تحقق الحماية والحرية والمسؤولية معًا، داعيًا في هذا السياق إلى الانتقال من الاكتفاء بمفهوم «الرقابة الرقمية» إلى بناء «المناعة الرقمية» لدى الأطفال والشباب والأسر.
وأضاف: «يمكن أن نمنع تطبيقًا أو نحجب محتوى، لكننا لن نستطيع أن نقف إلى جوار أبنائنا أمام كل شاشة وفي كل لحظة. وعندما تغيب الرقابة لا يبقى أمام الإنسان إلا وعيه؛ ولذلك فالمطلوب أن نبني قدرة الطفل على التمييز والتحقق والاختيار، وليس فقط أن نبني حوله أسوارًا رقمية.»
وأكد رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري أن هذه المقاربة تتطلب كذلك إعادة النظر في موقع الشباب داخل السياسات والمبادرات الموجهة إليهم، مشددًا على ضرورة التعامل معهم باعتبارهم شركاء في صناعة الحل وليسوا مجرد جمهور مستهدف بحملات التوعية.
وقال: «هناك فارق كبير بين أن نصنع شيئًا للشباب وأن نصنعه مع الشباب. الجيل الجديد ليس مجرد مستهلك للمحتوى الرقمي؛ هو منتج له وصانع للتأثير، وأي استراتيجية جادة للوعي الرقمي تُصنع من دون الشباب ستظل ناقصة مهما بلغت كفاءة الخبراء الذين وضعوها.»
وتتسق هذه الرؤية مع ما طرحته الجلسة بشأن الوصول إلى الشباب داخل المنصات التي يقضون فيها جانبًا كبيرًا من وقتهم، وتحويلهم من مستقبلين للمحتوى إلى شركاء في إنتاج الخطاب الإيجابي. مركز سلام لدراسات التطرف.pdf
ولفت ممدوح إلى أن جانبًا من قوة المحتوى الضار لا يرتبط بالضرورة بقوة الأفكار التي يحملها، وإنما بقدرته على فهم أدوات العصر وآليات صناعة التأثير، قائلًا: «المحتوى الهدام لا ينتصر دائمًا لأنه يحمل الفكرة الأقوى؛ أحيانًا ينتصر لأنه أكثر احترافًا في صناعة التأثير. وامتلاك الرسالة الصحيحة لا يعني تلقائيًا امتلاك التأثير.»
ودعا إلى تطوير أدوات المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني في صناعة المحتوى الرقمي، والاستفادة المسؤولة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات في فهم احتياجات الأجيال الجديدة والوصول إليها بخطاب قادر على المنافسة والتأثير، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع المحتوى الضار بعد انتشاره.
كما أكد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن مسؤولية حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لا يجوز تحميلها للأسرة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تضم الدولة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والمجتمع المدني، وتمتد كذلك إلى شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية، مضيفًا: «من يمتلك القدرة على تصميم الخوارزمية وجمع البيانات والتأثير فيما يظهر أمام الطفل لا يمكن أن يكون خارج دائرة المسؤولية عن سلامة البيئة الرقمية التي يتحرك فيها.»
وطرح الدكتور محمد ممدوح خلال الجلسة مقترحًا للتحرك نحو بناء «إطار وطني للمناعة الرقمية للأسرة المصرية»، يقوم على أربعة مرتكزات مترابطة: أسرة واعية، وطفل محمي ومُمكّن، وشباب شركاء في صناعة الحل، ومؤسسات ومنصات تتحمل مسؤوليتها، مع تعزيز دور المجتمع المدني كحلقة وصل بين المؤسسات والأسر والشباب.
وأكد أن المجتمع المدني يستطيع أن يؤدي دورًا مهمًا في الوصول إلى الأسر والشباب، وبناء القدرات وإنتاج المحتوى، ونقل احتياجات الأجيال الجديدة إلى دوائر صنع السياسات، مشيرًا إلى أن المطلوب هو الانتقال من الاستجابة للمشكلات الرقمية بعد وقوعها إلى منهج استباقي يقوم على الوقاية والتمكين وبناء الوعي، وهو ما يمثل أحد المرتكزات الأساسية التي انطلقت منها الجلسة. مركز سلام لدراسات التطرف.pdf
واختتم ممدوح كلمته بالتأكيد على أن حماية الأسرة لا تعني الدخول في مواجهة مع التكنولوجيا أو عزل الأجيال الجديدة عنها، قائلًا:
«قديمًا كان الآباء يخشون على أبنائهم عندما يخرجون من المنزل؛ اليوم أصبح العالم كله يدخل إلى غرفة الطفل من شاشة صغيرة. لن نستطيع إغلاق هذه النافذة، ولا ينبغي أن يكون ذلك هدفنا؛ المطلوب أن نعطي أبناءنا البوصلة التي يدخلون بها هذا العالم.»
وأضاف: «لا نريد جيلًا يخاف من التكنولوجيا، ولا جيلًا تستعبده التكنولوجيا؛ نريد جيلًا يمتلك التكنولوجيا دون أن تمتلكه. فالتحدي الحقيقي ليس فقط كيف نحمي الأسرة من المحتوى الهدام، وإنما كيف نبني إنسانًا لا يستطيع المحتوى الهدام أن يهدمه.»
وتأتي مشاركة مجلس الشباب المصري في المؤتمر في إطار اهتمامه بقضايا الشباب والأسرة والتحولات المجتمعية والرقمية، وتعزيز مساهمة المجتمع المدني في النقاشات المتعلقة بالسياسات والاستراتيجيات المؤثرة في الأجيال الجديدة، وربط المنظور الحقوقي بالعمل الشبابي والمجتمعي في التعامل مع تحديات العصر الرقمي




















